http://www.emailcashpro.com

الممارسات العملية وعلم النفس النمائي

تأخر ظهور علم النفس النمائي كثيراً عن علم النفس العام الذي يرجع لقرن مضى، غير أن بذور ذلك العلم المتمثلة بالممارسات التربوية، قد رافقت ظهور الكتابة إن لم نقل الإنسان. فلقد أمر الصبيان المصريون منذ (3500 سنة) أن “اعملوا، وافتحوا أعينكم وإلا أصبحتم شحاذين لأن العاطل عن العمل ليس له شرف … واحترسوا لكلامكم لأن دمار الإنسان في لسانه” (ملهرن 1946). ولقد هيأت الممارسات التربوية في مختلف المجتمعات الأرضية الملائمة التي نشأ فيها علم النفس النمائي.

الممارسات العملية وعلم النفس النمائي

ترجع الأفكار حول التربية العامة والحرة الى العهود اليونانية والرومانية، فقد نشأ مفهوم التربية الحرة في اليونان تدريجياً، وعدت تلك التربية حرة للتوزيع المتوازن الذي الحقته بالعقل والجسم. وتمثل الهدف االأساسي للتربية اليونانية في إعداد الفرد في إطار طبيعته الخاصة ليكون مواطناً للدولة. وأصر أرسطو على أن تمتد التربية من الولادة حتى السن الواحدة والعشرين. غير أنه رأى أن تمارس التربية التقليدية في بدايات البلوغ فيتعلم الأولاد القراءة والكتابة والحساب على أساس أن هذه المواد تشكل المنطلق المبدئي والعميق للدراسات اللاحقة. ولم ينسَ أرسطو أهمية العلوم السياسية وعلم النفس، فاعتقد ، شأن أفلاطون ، أن دراسة تلك المواد تشحذ القدرات العقلية.

ونشأت الممارسات التربوية الرومانية إبان صعود الإمبراطورية الرومانية واستمرت خلال فترات انحطاطها دون أن تحاول تبني مفهوم التربية الحرة التي تميزت بها الحضارة اليونانية. فلم يهتم الرومان كثيراً بالتربية البدنية التي كانت بمثابة العمود الفقري للتربية اليونانية، بل كانوا يهدفون الى صناعة الخطيب الذي يجب أن يكون على إلمام تام بالفلسفة والقانون والأدب. ولقد تصور الرومان الخطيب رجلاً مثقفاً وماهراً في صناعة الكلام.

وتشابهت المؤسستان التربويتان اليونانية والرومانية، على الرغم من الاختلافات الكثيرة التي أشرنا الى بعضها، فقد كان الأولاد الرومانيون يلتحقون بالمدرسة الابتدائية بدءاً من السنة السابعة ويستمرون فيها حتى السنة الثانية عشرة حيث يتعلمون القراءة والكتابة والحساب وبعض جوانب القانون الروماني. وكان الصبيان بعد السنة الثانية عشرة يرسلون الىمدارس النحو حيث يطلعون على الكتابات النثرية، والشعر، والمسرحية، ويدرسون التاريخ والجغرافيا والإسطورة. وكادت برامج مدارس النحو الرومانية تماثل مفهوم التربية الحرة لدى اليونان.

كان صبيان روما بعد إتمام مدارس النحو في السنة السادسة عشرة، يرسلون الى مدرسة البلاغة التي تقوم على الاستفادة مما تعلمه الفتى في مدرسة النحو لإجادة الحوار وإثارة حماسة الجماهير والتغلب على الخصم. وسرعان ما تبلورت تلك الأساليب، خاصة في عصر انحطاط روما، بصورة قواعد جامدة شملت كل مظاهر الخطابة.

وبانحطاط روما وظهور المسيحية برزت طرق وأنظمة تربوية جديدة، فقد أبدلت المسيحية الكنيسة بالدولة، ودفعتها الى إقامة محاكمها وسجونها وأملاكها والى السيطرة على التربيتين: الدينية والعلمانية. ومارست الكنيسة سلطتها على التربية حتى مطلع القرن الثاني عشر حيث تراخت قبضتها على المواطن مشيرة بذلك الى بداية نهاية القرون الوسطى.

هدفت الكنيسة الى إعداد الفرد لخدمة الله والكنيسة وأخيه الإنسان وروحه ذاتها، الأمر الذي أبعد عن فكر القرون الوسطى مفهوم التربية الحرة اليونانية، ذلك لأن الحرية تتعارض مع ما تتطلبه التربية الكنسية في الفرد من تواضع وخضوع. وتنوعت البرامج المدرسية وتراخت أو تفككت خلال القرون الوسطى وقامت المدرسة الكاتدرائية الى جانب المدرسة الرومانية التي سبقت الإشارة إليها. وفي الكاتدرائية كان الأولاد يتعلمون القراءة والكتابة ويحفظون المزامير وبعض الحساب، وكانت الدروس تشرح باللاتينية التي اعتاد التلاميذ حفظها دون فهم. أما في المرحلة الثانوية فقد كان الأولاد يعلمون الفنون السبعة بهدف إعدادهم لدراسة الكتاب المقدس وتفسيره، وشملت تلك الفنون النحو والبلاغة والجدل (الدراسات الدنيا) والحساب والهندسة والموسيقى والفلك (الدراسات العليا).

إن تصور الفكر الوسيط للإنسان باعتباره كائناً خلقياً قد صبغ كل جوانب التربية الأخرى المرتبطة بالمدرسة. فمنعت الرياضة والرقص والتمارين خشية أن تعمل على تقوية الجسم المثقفل بالخطيئة والغرائز الحيوانية، وحوربت الرغبات الإنسانية الفردية وأجبر الفرد على الخضوع للسلطات الدينية. وقد عدلت طرق التربية ومحتواها لتؤدي الى تعليم الإنسان النظام الديني والخلقي والعقلي، فتحولت التربية من فعالية لخدمة الإنسان في واقعه الراهن الى إعداده للحياة الأخرى.

ومع بداية تدهور الكنيسة وإشراقة عصر النهضة عمد الفلاسفة الى إعادة النظر في الواقع الإنساني فتطلعوا الى الطبيعة وأهملوا السلطة وجعلوا هدف التربية إعداد الأولاد للسعادة في الحياة وليس في الآخرة.

وامتدت يد الطبيعة الراحمة الى الفتاة فأعطتها ما أعطت الصبيان من حق في التربية والإعداد للحياة، الأمر الذي رفع من قيمة المرأة الأم وعدّها المعلم الأول.

راد كومينيوس (1592 – 1670) الثورة التربوية فطرح مبدأ “التربية وفق الطبيعة” ودعا الى تجنيب ابن السادسة المدارس التي تعلم باللغة اليونانية أو الرومانية ونادى بالتعليم الإلزامي حتى السنة الثانية عشرة في مدارس تقدم علومها باللغة الأم وتهيء غالبية الأولاد للعمل في المجتمع. وقد أكد كومينيوس أن على النخبة القليلة من المتعلمين أن ينتقلوا في سن مبكرة جداً الى الجامعة واتصفت دعوته بالشمولية، لأنه قدم مخططاً تربوياً يبدأ بالطفولة وينتهي بالدراسات العليا، إلا أن الباحثين انتقدوا كومينيوس لاهتمامه بتربية أبناء الأثرياء دون أبناء الفقراء.

تابع كل من لوك (1632 – 1704) وروسو (1712 – 1778) الثورة التربوية التي قادها كومينيوس وأكدا على فكرة إعداد الطفل بصورة ملائمة لحياة الرجولة المنتجة وتحمل المسؤولية. تكمن مهمة التربية بنظر لوك في صناعة “عقل سليم في جسم سليم”، لهذا فقد اقترح نظاماً اسبارطياً بدفع الأولاد لطاعة النظام، من طرف، والانسياق مع العقل من طرف آخر. وقد عدّ لوك عقل الطفل صفحة بيضاء تنطبع عليها التجارب فتحدد مصير الطفل ومستقبل حياته برمتها،وأولى انتقاء التجربة المفيدة للطفل أهمية بالغة.

وغاير فهم روسيو لعملية التربية فهم لوك لها، إذ أنه بسبب خبرته كمعلم، توصل الى نتائج ثورية بصدد التربية. وأرسى ذلك الفيلسوف في كتابه الشهير “أميل” (1855) الأسس الجوهرية لما عرف فيما بعد بالتربية التقدمية، ورأى أن على التربية أن تتلاءم مع حاجات الأولاد وقدراتهم بدلاً من أن تكون استجابة لنزوات الراشد واستطالة لمعتقداته الخاطئة عن طبيعة الفعل والحياة. فدعا روسو الى تربية تقوم على الخبرة. “… إحذر أن تستبدل الشيء بالكلمة حيث لا يستحيل إحضار الشيء … إننا نهب الكلمات قدرة مفرطة … دع دروس الصغرا تأخذ صيغة الفعل لا القول” . (روسو 1955).

كان روسو، بمعنى ما، رائد علم نفس الطفل، فقد لاحظ الصغار بعناية، وخبر كيف يسلكون ويتعلمون وحاول ملاءمة التربية للمستوى النمائي للأولاد. واتبع عدد كبير من المربين المشهورين نمط روسو في التربية، فعرفوا بأصحاب النزعة الطبيعية في تربية الطفل. وعلى الرغم من استقلال علم نفس الطفل عن التربية بعد روسو فقد أقام عالم نفس الطفل الشهير بياجيه بدءاً من عام 1960 حلقات وصل جديدة وقوية بين ظواهر النمو وفعاليات التربية.

وسرعان ما تبع السويسري بستالوتزي (1746 – 1827) خطى سلفه روسو. فقد ألهم روسو في كتابه “أميل” من خلفه من المربين فأقاموا عدداً من المدارس المتركزة حول الطفل. لكن سوء الحظ وضعف الموهبة الإدارية عند بستالوتزي قد جعلا حياة أفكاره ومدراسه قصيرة تماماً.

جعل بستالوتزي من مدرسته في “أفردون” نمطاً مدرسياً يحتذى. كانت أفردون مدرسة داخلية، جمع منهاجها الدقة الى المرونة. وقسم بستالونزي اليوم الدراسي الى فترتين: صباحية ومسائية تتخللهما راحة عند الظهيرة، وخصص فترة الصباح لدراسة المواد الصعبة، وترك فترة المساء للمواد العملية السهلة وذلك لاعتقاده بوضوح الذهن في الصباح وتغيمه الناجم عن التعب في المساء. وأصبحت مدرسة أفردون مثالاً يجتذبه المبدعون في التربية ويحفزهم على المزيد من الإبداع التربوي.

طبق بستالوتزي فكرة روسو التي تؤكد ضرورة تعليم الأولاد بطريق الخبرة والممارسة النشطة وليس بالحفظ، فكان يعرض الأشياء على الصغار ويمطرهم بالأسئلة آملاً أن تتحقق الفائدة في اكتساب الصغار العلم والمعرفة. تميزت قيادة بستالوتزي لتلك الدروس بقدرة المربي على تحريك روح الإبداع والخلق في الأولاد. ولأسئلة بستالوتزي زخميتها المتميزة على الرغم من تشابه طبيعتها الخارجية مع نظيرتها لمرب آخر. يسأل بستالوتزي الأولاد مثلاً، ملاحظة النباتات وتصنيفها فيبدعون، ويسألهم الآخرون الشيء نفسه فينقلب الأمر تعلماً آلياً وحفظاً مملاً.

استمر فعل بستالوتزي في التربية عبر تلميذه فروبل (1782 – 1852) ذي الأصل الألماني. لم يستطع فروبل أن يصير معلماً إلا عندما بلغ الثلاثين من عمره، وذلك بسبب نشأة مضطربة في الطفولة والمراهقة. ولم يختلف حال فروبل عن حال أستاذه بستالوتزي ، فقد أنشأ عدداً من المدارس أغلقت جميعها ما عدا إحداها التي انقلبت داراً للحضانة وأعطت فروبل شهرته التاريخية كواحد من أهم رواد العمل التربوي في العالم.

ظل الكثير من أفكار فروبل ملائماً للزمن خلال قرن بعد وفاته، ومنها ما بقي كذلك حتى عصرنا هذا. لقد وضع فروبل أغنيات تنشدها الأمهات لأولادهن وألعاب يمارسنها معهم. ويجسد لعب الأهل مع أبنائهم وغناؤهم لهم علاقات تبادلية ما زال الكثير من برامج التربية المعاصرة يدعو الى إقامتها بين الأولاد والأهل. كان الطفل بنظر فروبل خيراً ووحدة متكاملة، كما كانت التجربة سبيلاً يقود الطفل الى تكوين مفاهيم مجردة وشاملة وتجسدت التجربة الفروبلية في اللعب، والعمل، وعفوية العلاقة البشرية، وفي كل ما يعارض فكرة عد الطفل راشداً صغيراً. لقد كان فروبل يدعو الى تربية طبيعية سرعان ما طورها ودفعها الى الإمام عالم التطور الفذ شارل دارون. تعدّ نظرية دارون التي نشرت عام 1859، بعد سبع سنوات من وفاة فروبل، واحدة من أهم الحوادث المؤثرة في تاريخ علم نفس الطفل، فلقد قادت نظريته عن التطور الى منهج طبيعي بصدد سلوك الطفل والنمو الإنساني، وقد مكن عدّ الإنسان حلقة دقيقة في سلسلة حيوانية متواصلة، من دراسة الأطفال كظاهرة طبيعية، وهو أمر ما كان ليحدث لو بقي الطفل مخلوقاً رفيعاً.

ومن حسن حظ علم نفس الطفل أن اقترن ظهور الداروينية بإحداث أخرى ساعدت على تصعيد الاهتمام به. وتعود تلك الأحداث لأسباب ترجع لعمل دارون، ولتطور المعرفة الطبية ، ولبروز الإهتمام الجديد بسعادة الطفل. من جهة أخرى فقد نقم الناس على استغلال أرباب العمل للأطفال وتشغيلهم بأجور رخيصة في فترة نموهم، وعلى تنكر الأهل لمأساه الناشئة، وعلى بيعهم لسعادة أولادهم لقاء دراهم محدودة. أدت تلك العوامل مجتمعة الى ظهور حركة إصلاحية في منتصف القرن التاسع عشر تهدف الى حماية الأطفال وإسعادهم. وقد وضعت الحركة المشار إليها أسس مراكز الوقاية اليومية، وإصلاحيات الأحداث، ومراكز لرعاية الأطفال الرضع للأمهات العاملات، ومؤسسات تعليم متخلفي العقول، والمضطربين . وبذلك تحطم القيد الذي ضربه الفكر الوسيط على تلك المؤسسات لتعارضها مع أفكار الخطيئة والعقاب التي شوهت الفكر الإنساني إبان العصور الوسطى. لقد شجعت نظرية دارون وتطور المعرفة الطبية ثورة الناس على الفكر الوسيط ودفعتهم لعد الخطيئة عملاً طبيعياً يأتيه إنسان طبيعي في وضع شاذ. وهذا الأمر أدى الى نشوء الحركات الإنسانية الهادفة الى تحييد الإنسان، والى إقامة علم نفس الطفل كمنهج يساعد على الفهم الموضوعي للظاهر النفسية في منظورها التطوري وعلى السيطرة على تلك الظواهر لوقايتها من الإنسياقات الشاذة.

الدراسات الراهنية في علم نفس الطفل

يؤكد بعض نظريي علم النفس النمائي أن لنمو الطفل خمسة اتجاهات أساسية هي:

1- رفد دائم متصاعد من الباحثين المهرة لحقل علم نفس الطفل. وربما يرجع ذلك الى المكانة الرفيعة التي يتمتع بها علم نفس الطفل بين العلماء والناس والى نضج العلم نفسه الذي يتمثل بتدريب العلماء على التجربة واستخدام الوسائل الفنية المتطورة، من جهة، وعلى نضج الطريقة العلمية ذاتها من جهة أخرى. وقد بدأ المختصون بدراسة الطفل على التدريب في حقل علم النفس العام فاكتسبوا مهارات علمية متطورة مكنتهم من استخدام أكثر الآلات تطوراً، وخاصة منها ما يرجع الى حقل الإحصاء.

2- تقديم سكنر لمفاهيم الإشراط الإجرائي والتعزيز وتشكيل السلوك، إذ غدا تسرب منهجه ومفاهيمه الى المشاريع التعليمية، بعد أن تأكد جدواها في تعليم الأطفال، من الوسائل الهامة لنجاح تلك المشاريع، وامتد منهج سكنر الى الأطفال المضطربين فأظهر تفوقه على المناهج التقليدية السابقة.

3- الاهتمام بالنمو المعرفي. من العدل، هنا، أن نقول برجوع هذا الاهتمام الى بياجه، إذ امتلأت الدوريات النفسية في السنوات العشر الأخيرة بأبحاث تدور حول مبدأ المحافظة وحول النمو الخلقي والتخيل والإدراك والذاكرة طبقاً لمفاهيم بياجه عن تلك الظواهر.

4- الاهتمام بتطور فهم الطفل لقواعد النحو والصرف. لا شك أن لغة الطفل لازمت علم نفس الطفل منذ البدء إلا أن كومسكي وبياجه، قد أوليا علم قواعد النحو والصرف لدى الطفل اهتماماً كبيراً. فما أن طرح كومسكي اعتقاده القائل بأن الأطفال يصنعون صرفهم الخاص حتى اشترك علماء النفس واللغويون في إقامة علم النفس اللغوي. تركز الدراسات النفسية اللغوية اهتمامها الآن على المعاني وعلاقة النمو الإدراكي بالنمو اللغوي.

5- أخيراً، بحث ليفين لمفهوم التعلم الاجتماعي. فلقد تطور هذا الحقل خلال العشرين سنة الأخيرة وتوسع بحيث أقام منظومة متكاملة من المفاهيم المرتبطة بنظريات التعلم التي طرحها سكنر من طرف، وبالنظريات الديناميكية التي تشكل أساس الفرويدية من طرف ثان.

تشير هذه النظرة الخاطفة الى السرعة المذهلة التي نما وفقها علم نفس الطفل منذ أن وجد على أيدي كتبة سير الأطفال وكتابات الأطباء الشعبيين لأكثر من قرن مضى.

تاريخ علم نفس الطفل

ظهر علم نفس الطفل، خلافاً لأكثر العلوم الأخرى، استجابة لمطالب حقول متعددة في معرفة منهجية حول الأطفال. فقد كانت ثمة حاجة الى أداة تفيد في تمييز الذكي من متخلف العقل، كما برزت الحاجة الى طرق ناجعة لتربية الأطفال، ووسائل مجدية لتحقيق تلك الطرق. وتحولت الممارسات السلوكية للمربين الى علم منهجي متحرر من المطالب النفعية التي دفعت الى خلق العلم المذكور.

تدفعنا الواقعة الأخيرة للإعتقاد بأن على علم النفس كي تبقى له الحيوية والفاعلية التي عرفها في النصف الأخير من القرن الحالي، أن يهتم بالمسائل النظرية بالإضافة الى اهتمامه بالمشكلات ذات الطبيعة العملية.

أصول الدراسات المعرفية واللغوية في علم نفس الطفل

تعدد الأصول التي أسهمت في إنشاء علم نفس الطفل فشملت سير الأطفال وحركة دراسة الأطفال ومعاهد رعايتهم.

سير الأطفال

إن أول البحوث المنهجية عن الأطفال أجريت من قبل أهلهم. ففي سنة 1774 نشر بستالوتزي مذكراته التي كان يكتبها عن حياة طفله البالغ من العمر ثلاث سنوات ونصف. ولعل تلك المذكرات هي أول ما نشر في العالم عن تراجم الأطفال.

وفي سنة 1787 نشر تيدمان ملاحظاته عن نمو طفله فريدريك وخاصة في السنين الأولى من حياته وتتميز هذه الدراسة بالدقة العملية التي نراها الآن في الأبحاث الحديثة.

وفي سنة 1826 نشر فروبل أول مؤسس لرياض الأطفال في العالم كتابه المشهور “تربية الإنسان” وكانت مادة دراسته تلك تعتمد في جوهرها على ملاحظة سلوك الأطفال ورصده في البيت والمدرسة معاً.

وعمد تشارلز داروين الى حفظ مفكرة حول صبيه الرضيع في سنة 1840 إلا أنه لم يحاول طباعة كل المفكرة إلا بعد ثلاثين عاماً من كتابتها. وقد اهتم داروين بالمظاهر التطورية لسلوك الطفل وعلاقة ذلك السلوك بنظيره الحيواني. ولمفركة دراوين مع أعماله الأخرى، مكانة رفيعة في علم النفس المقارن اليوم.

وفي سنة 1876 نشر العالم الفرنسي تين ملاحظاته عن النمو اللغوي لابنته وذلك خلال السنوات الست الأولى من حياتها.

وسجل عالم النفس برير في كتابه “عقل الطفل” مسار نمو ابنه خلال السنوات الأربع الأولى من حياته وقد اهتم مبدئياً، بدراسة السلوك الارتكاسي وبأثر الخبرة والتدريب في تعديل ضروب ذلك السلوك. وقد دأب برير، بالإضافة الى دراسة السلوك الارتكاسي، على ملاحظة العديد من الظواهر السلوكية الأخرى مثل لغة الطفل ولعبه. وعلى الرغم من أن برير لم يعمد دوماً الى عزل ملاحظاته عن استدلالاته، فإن عمله ما زال يحتفظ بقيمة عملية رفيعة.

نذكر من دارسي السيرة أيضاً، الكوت ، وشين، حيث أضافت الأخيرة بعض الروائز الى منهج السيرة، ووسع سالي منهج السيرة بدراسة سير الأطفال الآخرين بالإضافة الى دراسة سيرة ابنه، ووضع، نتيجة لذلك، كتابه المعروف في علم نفس الطفل.

وعلى الرغم من أن العلماء يعدون بياجه الأب الروحي لعل نفس الطفل، فإن بالدوين كان قد سبقه الى ملاحظة الأطفال. من جهة ثانية كان الباحثون في حقول اللغة والحركة والإحساس أفضل كتبة السيرة الذين أثروا في الباحثين اللاحقين وفي علم نفس الطفل ذاته.

عانى كتبة السيرة ومنهجم الكثير من ضروب النقص التي تمثلت في الجوانب التالية:

1- قلة عدد الأولاد الذين درسوهم 2- ميوعة ملاحظاتهم وانفلات أغلبها من زمام التوجيه العلمي 3- ذاتية الملاحظين

وعلى الرغم من صنوف النقص المذكورة فقد بقيت كتابة السيرة واحداً من أهم مناهج (علم نفس الطفل) الذي يتصف بدرجة معقولة من الموضوعية. يتمثل دليلنا على ذلك ببياجه الذي اعتمد منهج السيرة وخرج منه بعدد من الكتب ما زالت توجه الأبحاث المعاصرة في علم النفس الكثير الجدل بين الباحثين النظريين في مجال النمو الإنساني.

حركة دراسة الطفل

دلل كتبة سير الأطفال على اهتمام علمي متصاعد بدراسة الطفل خلال القرن التاسع عشر وشكلوا حركة رائدة للمنهجين النمائي والتجريبي في علم النفس. أما الخطوة الثانية فقامت بظهور ستانلي هال عالم النفس الأمريكي الذي أسهم في نشوء رابطة علماء النفس الأمريكي وعدد من الدوريات العلمية التي ضمت مجلة علم النفس التكويني.

أنشأ هال حركة دراسة الطفل التي لم تدم طويلاً والتي عملت على اكتشاف نمو التفكير لدى الطفل. ربما رجع السبب في موت تلك الحركة الى النظرية التي اعتمدها الباحث والتي تجعل من نمو التفكير لدى الطفل محاكاة لنمو الفكر البشري.

وقد قام هال في عام 1890 بالإشراف على عدد كبير من الدراسات المعتمدة على الاستجواب حول وجهات نظر الأطفال بصدد كل شيء بدءاً من الموت وانتهاء بالجنس. وتميز تدريب هال للباحثين في الفترة الأولى بالجيدة والرصانة خلافاً للمراحل الأخيرة التي خلت منهما، الأمر الذي جعل الباحثين يشكون في قيمة النتائج التي قامت على استجوابات الفترة الأخيرة من تلك الحركة.

وجهت حركة دراسة الطفل، على الرغم من الانتقادات التي تعرضت لها، اهتمام الناس وشعورهم بالحاجة الى توفير وقائع موضوعية حول الأطفال. ولقد أمل هال بأن مثل تلك المعرفة الموضوعية، ستقود بالضرورة الى وضع الأسس الصحيحة لعلم نفس جديد، وهو أمر لم يتم. فكل ما فعلته حركة دراسة الطفل، هو شق الطريق نحو إقامة معاهد لدراسة الأطفال في الجامعات الأساسية في الولايات المتحدة، وهو ما يشكل الخطوة الثانية في الحركة العلمية لدراسة الطفل في أمريكا.

معاهد دراسة الطفل

اقتفى سيرز آثار المعاهد المشار إليها وعدّ السيدة كورا بريسي هيلز أهم رواد الحركة المذكورة. اعتقدت هيلز أنه إن أمكن للبحث العلمي أن يضل الى تحسين الأبقار فإنه يجب عليه أن يتمكن من تحسين الأطفال (سيرز، 1975، ص 19). وقد صرفت هيلز قصارى جهدها لإقامة معاهدة لدراسة الطفل في جامعة آيوا مشابهة للمعاهد الزراعية.

بدأت السيدة هيلز عملها عام 1906، إلا أن محاولة إقامة معهد رعاية الطفل في جامعة آيوا لم تنجح إلا بعد مرورو حقبة كاملة، جسدت الحرب الكونية الأولى نهايتها. وكانت للمعهد الذي أقمته السيدة هيلز ثلاث وظائف هي البحث والتعليم وتوفير المعلومات.

عملت الحرب العالمية الأولى على إثارة اهتمام المسؤولين والناس بمشكلات الأطفال. ولم يرجع الاهتمام المشار اليه الى الإعداد الضخمة من يتامى تلك الحرب، بل الى بروز حقيقة أساسية ارتبطت بعملية روز المجندين وأشارت الى ارتباط الأمراض النفسية بمشكلات التنشئة السيئة.

إلا أن الهوة بين اهتمامات المسؤولين الحكوميين والناس كانت ما زالت عميقة، إذ لم يواز اهتمام الحكومة بمعاهد الطفل نظيره لدى الناس فقد دفعت السيدة روكفلر مبلغ 12 مليون دولار لإقامة معاهد لدراسة الطفل، وتحقيق الوظائف المذكورة آنفاً. وكان لا بد، لتوسيع تلك المعاهد، من إثارة اهتمام أكبر عدد من الآباء المحسنين.

يعد الاقتصادي الأمريكي لورانس فرانك شخصية حاسمةعملت على توسيع معاهد دراسة الأطفال وإقامتها على أسس علمية سليمة، وذلك بسبب اهتمامه المفرط بسعادة الأطفال وسخائه في البذل في هذا المجال. فلقد كرس فرانك حياته لجمع التبرعات لدعم المعاهد الهادفة الى دراسة نمو الطفل ورعايته، إضافة الى دفعه لعدد من الباحثين المتنوعي المشارب للعمل بصورة جماعية. لذلك يصبح القول بأن فرانك أسس المعاهد وعمّرها بعلماء النفس المتعاونين لإنجاز المشروع العلمي الكبير. وقد أدى دعم الأرصدة المجمعة في مؤسسة روكلفر الى توسيع معاهد دراسة الطفل، فأنشء معهد دراسة الطفل في كلية المعلمين في جامعة كولومبيا عام 1924 ومعهد رعاية الطفل في جامعة منسوتا عام 1925 ومعهد دراسة الطفل في جامعة يال عام 1928 على يد أرنولد جيزل تلميذ هال الذي بدأ دراسة الطفل منذ 1911 هذا بالإضافة الى معهد نمو الطفل في جامعة بيركلي. عملت تلك المعاهد على إقامة حركة وطيدة ومنظمة لدراسة نمو الطفل تمثلت خاصة في برامج الدراسات العليا التي خرجت أعداداً ضخمة من الدارسين، انطلقوا للعمل في كل كليات أمريكا وجامعاتها، فبرز علم نفس الطفل كعلم منهجي في عام 1930.

دور علم النفس العيادي والاجتماعي وعلم نفس الشخصية في علم نفس الطفل

أشرنا من قبل الى قيام جذور دراسة سلوك الطفل ولغته في منهج سيرة الأطفال. ونضيف الى ذلك أن علم نفس الطفل استمد الكثير من المعلومات حول تنشئة الطفل وحياته الانفعالية والعقلية من علم النفس العيادي والاجتماعي وعلم نفس الشخصية.

لم يبدأ التأهيل الاجتماعي للأطفال في أمريكا إلا في مطلع القرن التاسع عشر. ففي الوقت الذي كان فيه روسو وفروبل الأوروبيان يناديان بطبيعة الطفل الطيبة، ارتفعت أصوات الكنيسة تهاجم التربية السمحة وتدحض الاعتقاد الشائع بصدد براءة الطفل مدعية بأن الأطفال ليسوا صغاراً على دخول جهنم بسبب سيئاتهم. وهذا ما دفع الأهل الى تربية صغارهم على الاستقامة بقراءة الأخلاقيات وتلاوة العهد القديم والمواظبة على الكنيسة. ولكن البروتستانتية سرعان ما اصطدمت بقيم مجتمع رواد الحدود* في أمريكا، فتعرض الأهل للصراع بين القيم الدينية والعلمانية، الأمر الذي ساعد على إضعاف التشدد التربوي في منتصف ذلك القرن، فتخلى المربون عن نصح الأهل بالعقاب البدني بسبب وحشيته وعدم جدواه. وبدأ الناس يرجعون خطأ الأطفال الى فجاجة منطقهم أو الى أخطاء في المبدأ التربوي نفسه. واستعيض عن العقاب البدني بالحب واللطف كوسيلة لتكوين الطبع الخلقي الجيد.

لم تظهر النظرة المتفائلة حول طبيعة الطفل إلا بعد الحرب الأهلية في أمريكا، حيث بدأ الناس يعتقدون أن الأطفال، شأنهم شأن الحيوانات، يتطورون نحو أوضاع طباعية أفضل مما هم فيه بتكيفهم العفوي مع الأوساط التي يعيشون فيها. وأدى نشر جاكوب آبوت في عام 1871 لكتابه “إجراءات لطيفة في تدريب الصغار وإدارتهم” الى تأكيد التطورية الداروينية والإقلال من أثر فطرية الشر، الأمر الذي زاد الاهتمام بتأكيد أثر الخبرة والتدريب في صناعة الطبع الخلقي للناشئة. كما أن الدراسات المتنوعة في العلوم النفسية المختلفة، وخاصة في علم النفس العيادي والاجتماعي وعلم نفس الشخصية قد ألقت الكثير من الضوء على سلوك الناشئة وأكدت النظرة المتفائلة حول طبيعة الطفل. لقد كان للنظرات التقدمية النيرة بصدد طبيعة الطفل، والتي طرحها رواد علم النفس العيادي والاجتماعي وعلم نفس الشخصيةالعديد منالنتائج البعيدة الأثر، مثل إعادة تقويم التخلف العقلي والاضطراب الانفعالي لدى الأطفال التي عدت أمراضاً ترجع الى الشروط البشرية وتستجيب للعلاج، وليست أفعالاً شريرة يعاقب عليها وتخفى عن أعين الآخرين كما كان الحال في السابق. وهذه النظريات الاجيابية شقت الطريق لإقامة مراكز إرشاد الأطفال، وحركات الصحة النفسية. بالإضافة الى ذلك كانت كتابات الاختصاصيين حول تنشئة الأطفال والعناية بهم رائداً لأبحاث منهجية في مجالات الشخصية والنمو الاجتماعي في بعض معاهد الأطفال بعد الحرب العالمية الأولى.

إرشاد الطفل والصحة النفسية

كان لنشوء حركة إرشاد الطفل والصحة النفسية في نهاية القرن التاسع عشر أثر مباشر في علم نفس الطفل. فقد رمى كتبة السيرة ، وهال، والقائمون على معاهد الأطفال الىتصحيح الأخطاء التربوية القائمة ولم يصلوا الى اكتشاف مبادئ عامة للنمو والتعلم تصدق على جميع الأطفال. أم احركة إرشاد الطفل والصحة النفسية فقد اهتمت باكتشاف مبادئ عامة للنمو والتعلم الى جانب أخذها بعين الاعتبار للفروق الفردية بين الأطفال لكونها تشكل جانباً هاماً من دراسة نمو الطفل.

وفي أواخر القرن التاسع عشر ومع تأكيد النظرة بأن الإنسان حلقة متطورة من السلسلة الحيوانية، عمل المنهج الإنساني على إلقاء ضوء جديد على السلوك المضطرب. فأدى رفض قدسية الإنسان، ورفض إرجاع اضطرابه الى الخطيئة الأولى الى البحث عن أسباب الاضطراب في المحيط الإنساني وعّد الاضطراب مرضاً يمكن شفاؤه. ولقد أسهم فرويد جدياً في إرساء تلك النظرة، وكانت قدرته على إحداث أمراض ظاهرة في الجسم، كمرض الشلل الناجم عن الصراع النفسي، شرحاً حياً لتفسير أسباب الأمراض العصابية. أضافت أعمال فرويد زخماً كبيراً لحركة الإصلاح الإنسانية في كل من أوروبا وأمريكا. فعمد وايتمر الى افتتاح أول عيادة نفسية في جامعة بنسلفانيا عام 1896 في الوقت نفسه الذي كان فيه بينه يعمل على رائزه العقلي لفرز من نسميهم بمتخلفي العقل. أعطت روائز بينه المنشورة عام 1905 و 1908 دفعاً جديداً لحركة الروز العقلي التي تعد اليوم منهجاً عيادياً للتشخيص. يضاف لذلك أن لطبيعة العيادة النفسية نتيجة هامة تتمثل في إقامة علاقات وظيفية تبادلية مع سائر مناهج البحث في مجال علم النفس. فقد أعطى هيلز في عيادته التي أسسها عام 1915 للجانحين في مدينةن شيكاغو، الدليل المشخص على الوظيفة التبادلية للعيادة النفسية. وضمت عيادته، إضافة الى الأحداث الجانحين أطباء نفسيين وعلماء نفس ومساعدين اجتماعيين عملوا معاً في التشخيص والعلاج. وقد توزع فريق المختصين المشار إليهم الأدوار العلاجية بحيث يقوم عالم النفس بالتشخيص الذي يعتمد الروائز والمساعد الاجتماعي بالتشاور مع أسرة الجانح لكتابة سيرة الحالة، في حين يقوم الطبيب النفسي بالمعالجة. وسرعان ما حدت العيادات الكثيرة ، التي افتتحت بين عامي 1920 و 1930 بمساعدة المختصين، حذو عيادة هيلز.

أفادت حركة إرشاد الطفل، بتركيزها على المبادئ العامة للنمو، في تخفيف الأثر القوي للنهج التصحيحي الذي استمت به معاهد الأطفال التي أقامتها هيلز. فلقد اهتم العياديون بمجمل الطفل، أي بعلم نفس الشخصية، وتناولت كتاباتهم نظريات الشخصية بالكيفية التي تؤدي فيها أحداث محددة الى نتائج بعينها. وأدى ارتباط العيادات بالجامعات الى وضع التلاميذ في ساحة الصراع بين النظريتين التصحيحية والشمولية. وما يزال الصراع المذكور قائماً حتى يومنا هذا.

تطور علم نفس الطفل بين الحربين العالميتين الأولى والثانية وما بعدهما

قامت معاهد دراسة الأطفال ورعايتهم بإجراء كمية ضخمة من الأبحاث شملت النمو العضوي والعقلي ونمو الشخصية، وذلك بالإضافة الى دراسات مقارنة في مجالات اللغة والدافعية والانفعال والإدراك والتعلم والنمو الخلقي. ففي تلك الفترة، استعان جيزل بالصور المتحركة للقيام بدراساته الدقيقة المفصلة عن نمو الرضع في الوقت نفسه الذي كان فيه تيرمان ورفاقه يقومون بدراستهم عن الأطفال الموهوبين. وقد نشطت الدراسات النفسية بين الحربين مما أدى الى تجمع رصيد ضخن ومتين من المعلومات حول نمو الطفل. غير أن الحرب العالمية الثانية أعاقت تطور علم نفس الطفل بعد أن شتتت غالبية المشتغلين به في وحدات الجيش المتفرقة وتركت من تبقى منهم مثقلاً بأعباء التدريس في الجامعات وعاجزاً عن التفكير بالبحث العلمي الرصين. فتلكأ صدور العديد من الدوريات أو توقف وتعطلت اللقاءات المهنية أو انعدمت، ولم تستعد حركة علم نفس الطفل وتيرتها التي سبقت الحرب العالمية الثانية إلا في مطلع الخمسينات. فقد أدى إطلاق السوفييت في عام 1957 لمركبتهم الفضائية الرائدة الى دفع السلطات الأمريكية لفحص مناهجها التعليمية ولرصد الأموال الضخمة لدراسة ظاهرة التعلم ولطرح مناهج متشددة في العلوم والرياضيات والاجتماعيات مما خلق الحاجة الى المزيد من العلماء المتخصصين في دراسة علم نفس الطفل.

ولم يقل أثر حركة الحقوق المدنية التي ظهرت في الستينات في علم نفس الطفل عن أثر التحدي السوفياتي لأمريكا. فلقد كشفت جماعة الحقوق المدنية النقاب عن التخلف المدرسي لأبناء الأقليات وما ينجم عن ذلك التخلف من حرمانهم من الحركة الاجتماعية* في مجتمع يتميز بالحركية ويعذيها. فأجبرت الحكومة الأمريكية على التحرك، وبمنتهى السرعة، لاغناء أوساط أبناء الأقليات في محاولةمنها لرفع تحصيلهم وسوقهم الى تيار الحركية الاجتماعية الأمريكية . وتطلب الاغناء تقويم نتائجه الذي يستحيل دون معرفة واعية ومنهجية في حقل علم نفس الطفل.

وقد أسهمت معرفة الأمريكيين وتقديرهم للعالم السويسري بياجه في تشديد الاهتمام الحكومي والشعبي والأكاديمي بعلم نفس الطفل. فلقد أدرك مصممو المناهج المدرسية في الخمسينات قيمة المعرفة العلمية التي يقدمها بياجه وقيمة عمله في تصميم مناهج مدرسية تنسجم ونمو مختلف الظواهر النفسية في سائر المراحل النمائية. وأثارت الفرضيات الأساسية التي طرحها بياجه عدداً ضخماً من الدراسات في مجال نمو ظواهر التفكير عامة، والادراك بفعله ومحتواه خاصة بدءاً من الرضع وانتهاء بالراشدين.

تضافرت العوامل المذكورة لدفع الحكومة الأمريكية الى رصد الأموال السخية لتمويل دراسة مختلف الظواهر في تطورها التدريجي من النشوء الى النضج. ولم يحل عام 1970 حتى غدا علم نفس الطفل خاضعاً كلياً للحكومة الأمريكية بسبب اعتماده على موازناتها السخية. ولم يقو أي قسم من أقسام علم النفس على الصمود إن لم يضم فرعاً في علم نفس الطفل.

• وضعت عبارة رواد الحدود للدلالة على حركة المهاجرين الأمريكيين الذين انطلقوا من الشواطئ الغربية لاكتشاف مجاهل القارة الأمريكية منطقة بعد أخرى وسمي هؤلاء برواد الحدود لتذليلهم المصاعب التي تعترضهم في حدود كل منطقة.

• يطلق مفهوم الحركية الاجتماعية الى انتقال الفرد من طبقة الى أخرى صعوداً وهبوطاً. والمفهوم بالانكليزية هو: Social class mobility

طرائق البحث

يقوم علم النفس النمائي كسواه من العلوم، على الجمع المنهجي للوقائع وعلى التحليل العميق والدراسة الشاملة لتلك الوقائع. يعمد علماء النفس في دراستهم للسلوك البشري الى اختيار طرائق بحث تلائم المشكلات المدروسة بهدف الاجابة عنا لأسئلة التي تطرحها تلكا المشكلات. لذلك فإن اختيار طريقة معينة يتحدد بطبيعة المشكلة المدروسة وبعدد من الاعتبارات العلمية.

فإن كان السؤال : “هل يختلف الذكور عن البنات في الخامسة من العمر، بنسبة مشاركتهم في العراك؟” أمكن جمع الوقائق الملائمة للإجابة عنه بعدد من الطرائق المتنوعة بدءاً من الملاحظة الموجهة وانتهاء بالتجربة. ولا ينفي احتمال تعدد الطرائق الملائمة للإجابة عن سؤال ما واقعة تميز أو أفضلية إحدى تلك الطرائق أو بعضها على الأخرى في الإجابة عن السؤال المطروح. لذلك فإننا سنقتصر على مناقشة الطرائق التي تلائم الإجابة عن الأنماط الأساسية للأسئلة التي تطرحها الأبحاث النمائية، دون أن ننسى الإشارة الى أن أية طريقة أو مجموعة من الطرائق يمكن أن تستخدم، كما هو الحال في الغالب، للإجابة عن تلك الأسئلة. وتتوزع أنماط الأسئلة التي يطرحها البحث العلمي النمائي وفق طبيعتها في الترابطية والسببية، والتفريقية.

الطرائق الترابطية

تستخدم الطرائق الترابطية عندما يتخذ البحث الصيغة التالية: ما الظاهرة التي يتوافق حدوثها مع حدوث ظاهرة أخرى؟ فإن أردنا أن نعرف كم يزداد عدد مفردات الطفل بين السنتين الثانية والخامسة مثلاً إنما يكون سؤالنا ترابطيا بمعنى أننا نرغب في أن نعرف عدد الكلمات التي توافق عمراً بعينه. ويمكننا للإجابة عن السؤال السابق استخدام إحدى الطرائق الترابطية التالية:

1- الملاحظة الموجهة: تعطي طريقة الملاحظة الموجهة في الإجابة عن الأسئلة الترابطية أفضل مردود لها عندما تتناول تكرار حدوث سلوك ما، مثل متابعة الطفل في موقف ما أو متابعة ظاهرة سلوكية محدودة لدى فئة معينة من الأطفال. وهذا ما يسمى “بالتعيين المواقفي” الذي يقوم على انتقاء الباحث لموقف متميز يسجل فيه ردود فعل الأطفال. ويستخدم التعيين المواقفي في دراسة العلاقات التبادلية وتفضيلات اللعب وسواها. فقد يقيم الباحث مثلاً زاوية من العرائس، أو مشغلاً بمسامير ومطرقة وأخشاب في إحدى غرف مدرسة الحضانة ويعمد الى تسجيل تكرار ملازمات كل صبي أو بنت للزاوية أو المشغل، والوقت الذي صرفه كل فرد هناك يساعد التعيين الموقفي في تلك الحالة، على تحديد مدى استخدام الطفل لمرفق ما. وعلى العموم بعد التعيين المواقفي إحدى صيغ الملاحظة الموجهة.

هناك أيضاً، التعيين الزمني ويتضمن تسجيل عدد المرات التي يصدر فيها سلوك ما خلال فترة زمنية محددة. فإن اهتم الباحث بمعرفة الفروق العرقية في المواظبة على العمل المدرسي، عمد الى ملاحظة مجموعة من الأطفال السود وأخرى من الأطفال البيض لفترة معينة، وحسب لكل طفل في كل مجموعة عدد المرات التي انتبه فيها الى بادرة مدرسية، ثم حسب متوسط كل فئة في الانتباه وقارن المتوسطين بصورة إحصائية دقيقة. يمكن للباحث أن يشحذ أسلوبه فيسأل أربعة ملاحظين مراقبة لك طفل لفترة معينة ويسأل ملاحظيه إحصاء كل من سلوكي المواظبة والشرود في أطفال الفئتين.

2- المقابلة نصف العيادية: قدم بياجه صيغة أخرى للطرائق ذات الطبيعة العلائقية سميت بالمقابلة نصف العيادية. لقد اهتم بياجه بالمشكلة الترابطية التي يمثلها السؤال “كيف يتغير تفكير الصغار حول عدد من الموضوعات بتغيير العمر”، فرغب في وضع طريقة بدرجة عالية من الاستمرارية تمكن الباحث من تتبع أفكار الطفل ومن مقارنة استجابات أطفال مختلفين، وبدرجة عالية من المرونة. تبين لبياجه أن طريقة المقابلة شبه العيادية، تجم بين استمرارية الروائز العقلية ومرونة المقابلة النفسية، ورأى أن من الأفضل لطريقة المقابلة شبه العيادية البدء بالملاحظات العفوية التي يطلقها الصغار أنفسهم، والتي بمقدورها أن تجر الى الأسئلة المعبرة التي تستخدم لافتتاح المقابلة. من أمثلة ذلك ما سمعه أحد الباحثين من الأطفال، بعد اغتيال رئيس البلاد، إذ سأل الأطفال: “أو يكون الله الهدف الثاني لرصاصهم؟” فاتخذ السؤال منطلقاً للافتراض بأن الطفل يضم كل الأشخاص العظام في فئة واحدة. فإن أريد التحقق من تلك الظاهرة، وجب سؤال الأطفال من مختلف الأعمار، عما إذا كان في مقدور الله أن يصير رئيساً للجمهورية، وعمن ينتخب الرئيس ومن يختار الله، أو كيف يصير الله إلهاً *؟ يبقى لكل من الأسئلة الآنفة أهميته المبدئية ولا يمكن الأخذ بأحدها وطرح الباقي منها إلا بعد دراسة استطلاعية تساعد على اكتشاف قدرة كل منها على تحديد الجوانب الخصبة في تفكير الأطفال.

3- المقابلة: تستلزم المقابلة أن يقوم الباحث بطرح عدد من الأسئلة حول موضوع معين. وفي المقابلة يجب أن يتواجد الطفل في موضع هادئ خال من كل ما قد يشتت الانتباه. تبدأ المقابلة فعلاً بعد أن يقيم الباحث الانسجام مع الطفل عبر طرح عدد من الأسئلة العامة وحول أمور تمس الأخير بصورة ما. ولا يكتفي الباحث الحصيف بالأسئلة المعدة من قبل، بل إنه يعمد الى طرح ما يسمى بالأسئلة الاستفسارية التي تفيد في إيضاح غوامض إجابات الطفل. وتتطلب الأسئلة الاستفسارية الحرة مهارة خاصة من جانب الباحث، إذ عليها أن توجه فكر الطفل دون أن توحي بالجواب أو تفقده الموضوعية. لهذا فإن من الأفضل للباحث الناشئ أن يتدرب على إعطاء اختبار رورشاخ لبقع الحبر، فقد وضعت للاختبار المذكور مجموعة من الأسئلة الاستفسارية الحرة غير الموجهة وغدت صياغة تلك الأسئلة وطرحها فناً قائماً بذاته (أسعد، 1981).

تفسير النتائج والصدق

الصدق مشكلة هامة في القياس النفسي ويمثل إجراء يهدف الى التأكد من أن أداة ما تقيس ما نوي لها أن تقيس من الأهمية بمكان معرفة ما ذا كانت إجابة الطفل تعكس أفكاره الخاصة سواء أثناء المقابلة أو بعدها، لذلك وصف بياجه خمسة أنماط من الاستجابات يجب إيضاحها وتمييزها عند المقابلة وهي:

1- العشوائية: وتحدث عند تضايق الطفل أو فتور اهتمامه، أو تعبه وتتمثل العشوائية بقول الطفل ما قد يطرأ على ذهنه إرضاء للباحث

2- القسرية: وتحدث عندما يجيب الطفل دون أن يفكر بالجواب.

3- الإيحائية: وتميز إجابة الطفل عندما يدرك ما يرغب الباحث في معرفته ويجيب في اتجاهه

4- التحررية: وتوصف بها إجابة الطفل عندما يفكر بالسؤال ويطلق إجابته من أعماقه وطبقاً لاعتقاده

5- العفوية: وتحدث عندما يتسرع الطفل بالإجابة فيطلقها بعد تفكير ضئيل أو سطحي.

واضح أن الأنماط الثلاثة الأولى من الإجابة عديمة الأهمية خلافاً للنمطين الرابع والخامس، فإنهما يقودان الى جمع معلومات رصينة عن المستجوبين.

على الباحث أن يكون قادراً على تمييز الإجابة العشوائية أو القسرية أو الإيحائية من التحررية. وهو يستطيع أن يفعل ذلك أثناء المقابلة أو بعدها. فإن شعر الباحث بأن إجابة المبحوث ليست حرة أو عفوية، كان عليه أن يطلق إيحاء مضاداً لمعنى إجابة الطفل بما يساعده على تحديد مدى تأصل الإجابة في فكر الطفل. فالإجابتان التحررية والعفوية تصمدان للإيحاء المضاد. ويستطيع الباحث أن يعد أسئلة مرتبطة باعتقادية الطفل كما حددتها إجابته الأخيرة أثناء المقابلة ثم يلجأ الى طرح تلك الأسئلة على الطفل للتأكيد من مدى تناغمها في مخطط إدراكي منسجم. فإن تناغمت إجابات الطفل مع تخطيطه الإدراكي المحدد بالمقابلة غدت إجاباته ممثلة لفكره. أما تنافر المخطط الإدراكي مع الإجابات فيعد دليلاً على كذب إجابة الطفل.

هناك طريقة أخرى للتحقق من صدق إجابة الطفل. تستلزم تلك الطريقة من الباحث التحلي بالصبر، والانتظار الى ما بعد انتهاء المقابلة بهدف تجميع الوقائع حول فكر الطفل، ودراسته في إطار أفكار أقرانه. وعلى هذا الأساس، تعد إجابة الطفل معبرة، إن انسجمت مع إجابات أقرانه وشابهتها على أساس أن الانسجام الفردي الفئوي لا يمكن أن يحدث إن كانت الإجابات عشوائية أو قسرية أو إيحائية.

هذا وإن إجابة الناشئ التي تبدي تقرباً من إجابات البالغ الراشد تعد دليلاً على اتجاه نمائي سليم وتعد صادقة. ولا بد من الإشارة الى أن الاتجاه النمائي الأصيل يجب أن يبدي تلاحقاً واستمرارية بمعنى أن تتضمن الإجابات المجردة للطفل آثار أفكار مشخصة ترجع الى عمر سابق وأن تعكس إجابات الأعمار الدنيا تطلعاً نحو المجرد كدليل على بوادر النمو. تسمى الظاهرة الأولى باللصوق والثانية بالتوقع.

تفسير النتائج والثبات

لقد أهمل بياجه مشكلة الثبات، أي مشكلة تكرارية الإجابة. ولعل ذلك يرجع الى تدربه الخاص في حقل علم الأحياء وما قد يقوده الى التسليم بأن ما يجده في فرد يصدق على النوع كله. إلا أن من الخطر الأخذ بالمسلمة التعميمية بصدد النوع الإنساني. ولا بد من ملء ثغرة الثبات في طريقة المقابلة. هناك إجراءان أساسيان لتحديد ثبات الإجابة، يقوم الأول في قياس الاستمرار عبر الزمن ويتم بمقابلة كل طفل مرتين بفاصل لا يقل عن شهر ولا يزيد على ستة أشهر، وبحساب الترابط بين الإجابتين. ويعد الترابط أو عدمه مؤشراً على الثبات. أما الإجراء الثاني فيتمثل في تصنيف باحثين مختلفين للإجابات الفردية في مراحل أو تلاحقات نمائية. ومن الضروري لثبات الإجابات أن يرى باحثون مختلفون الشيء ذاته فيها، ويكون الترابط بين التصنيف المستقل لباحثين مختلفين لإجابات فرد ما مؤشراً على ثبات تلك الإجابات.

إن الثبات والصدق يضمنان موضوعية الوقائع المجمعة بطريقة المقابلة، فهما إذن شرطان ضروريان للمقابلة الناجعة.

الطرائق السببية

قد لا يتركز اهتمام الباحث بتحديد التوافق بين ظاهرتين، بل بتحديد الظاهرة المسببة لأخرى، فيجد نفسه مضطراً لإبداع طريقة ملائمة لحل هذا النوع من الإشكالات، يبدو أن التجريب يمثل أفضل السبل لحل الإشكالات السببية، إذ أن لكل تجربة متغيراً وآخر تابعاً، أي سبباً ونتيجة.

يعد المتغير التجريبي مستقلاً إن تغير بإرادة المحرب وسيطرته أو غيرته الطبيعة ذاتها، خلافاً للمتغير التابع الذي يتغير تبعاً لتغيرات نظيره المستقل. وقد أضاف بعض التجريبيين متغيراً ثالثاً أسموه بالمتغير الضابط ويمثل البعد أو الموقف أو الحادث الذي ثبت ، بحيث لا يشارك المتغير المستقل أثره في المتغير التابع. على الرغم من أن النمط الأساسي للتجريب محدد المعالم، فإنه على درجة كبيرة من المرونة إذ يمكن للمتغير المستقل أن يكون أي شيء بدءاً من مجموعة متباينة من أساليب التعليم وانتهاء بمجموعة من الصور الغامضة كما يمكن للمتغير التابع أن يتراوح بين نقط في رائز عقلي وشدة استجابة الخوف التي تحدد كهربائياً. لقد جعل تطور علم الإحصاء بالإمكان دراسة العلاقات بين منظومة كاملة من العوامل المتغيرة ومنظومة أخرى من العوامل التابعة، في تصميم معقد يعرف بتحليل التباين (أسعد، 1981).

استخدام الطريقة التجريبية في علم نفس الطفل

هب أن الباحث يهتم بآثار السرعة التي تقرأ وفقها مجموعة من الأرقام وبقدرة الأطفال على استرجاع تلك الأرقام. تعرض قوائم الأرقام على الأطفال بخمس درجات من السرعة تمثل كل درجة فيها واحداً من مستويات المتغير المستقل الخمسة. وتمثل نقط الأطفال في استرجاع الأرقام المتغير التابع. يمكن ضبط التجربة بعرض قوائم الأرقام في شريط مسجل، وباختبار مراتب أية قائمة بصورة عشوائية من جداول التعيين العشوائي، وباستخدام عينة عشوائية من الذكور والإناث بأعداد متساوية في كل مجموعة. ولزيادة الضبط يؤخذ كل المبحوثين من مدرسة واحدة، وبحيث يدور معامل ذكائهم جميعاً حول المتوسط. يهدف ضبط تلك العوامل الى التأكيد من أن فروق الاسترجاع تخضع لمعدل سرعة عرض قوائم الأرقام.

هناك نوع ثان من التجريب في علم النفس النمائي يسمى بتجارب التدريب. تعطى في هذا النوع من التجريب مجموعة من المبحوثين أو مجموعات منهم أشكالاً متنوعة من التدريب في مهمة ما، لمعرفة أي نوع من التدريب أكثر مردوداً من سواه. يرجع أبسط مثال على هذا النوع من التجارب الى دراسة أثر طبيعة التدريب، موزعاً أم مكثفاً، في عملية التعلم. فيعمد الباحث مثلاً الى تدريب فئة من الأطفال على حفظ قصيدة شعرية بتلاوات مكثفة تستمر حتى يحفظ جميع الأطفال القصيدة الشعرية. وتوزع تلاوة فئات أخرى للقصيدة ذاتها في فترات زمنية متفاوتة ويتم حساب الزمن الفعلي الذي حفظت فيه القصيدة من جانب كل فئة ثم يحسب مدى استرجاع كل فئة للقصيدة بعد مرور زمن ما على الحفظ. تعد طريقة التلاوة التي تأخذ زمناً للحفظ أقل من الزمن الذي تستغرقه سائر الطرق، والتي يزيد القدر المسترجع في القصدية معها على القدر المسترجع مع الطرائق الأخرى أكثر جدوى من بقية طرائق التلاوة. بدهى أن طريقة التلاوة تمثل المتغير المستقل، وأن زمن التلاوة والقدر المسترجع من القصيدة بمرور الزمن يمثلان معاً، أو كلا على حدة المتغير التابع. ومن نافلة القول التأكيد بأن على الباحث أن يضبط الفئات المختلفة في المتغيرات التي يعتقد أنها تشارك المتغير المستقل التأثير في نظيره التابع.

الطرائق التفريقية

قد يدور الإشكال الذي يطرحه الباحث حول طفل بعينه وليس حول الأطفال كفئة، الأمر الذي يفرض استخدام إجراء تجريبي يسمى منهج الطريقة التفريقية، ويشمل البروز العقلي، والتقرير الذاتي، والوسائل الإسقاطية، واللعب. ويقارن الفرد المدروس بتلك الطرق، بمعيار فئوي واضح أو ضمني، وذلك لتحديد مدى بعد الفرد أو قربه من المعيار. يعد إيجاد المعيار الملائم لمقارنة الفرد من أكثر صعوبات الطرائق التفريقية. يساعد المثال التالي على إيضاح الطريقة التفريقية على الرغم من أنه يقارن فئة من الأطفال بأخرى، وليس طفلاً بفئة منهم قد يشعر المعلم بعد انتقاله من مدرسة ريفية الى أخرى مدنية بأن أطفاله يعانون مشكلات في القراءة، ويتألم المعلم لكن ليس لألمه ما يسوغه، إذ أنه أخطأ في اختيار المعيار، فكان عليه مقارنة أطفال مدرسته المدنية بأطفال الجمهورية العربية السورية وليس بأطفال قرية صغيرة تعيش نسبة كبيرة من سكانها على التجارة ويرتفع متوسط مستوى الأهل الثقافي فيها الى السنة الجامعية الثالثة. إن على المعيار أن يكون ملائماً للمقارنة وأن يختار بموضوعية تامة. ولا يعني هذا انعدام قيمة المعايير الذاتية، بل أن لها في الغالب قيمة كبرى. فالعياديون الذين يمارسون قياس ذكاء الأطفال في عياداتهم يقيمون معاييرهم العقلية الخاصة لمقارنة ذكاء فرد ما بذكاء الفئة التي حدث أن تجمعت لديهم معايير عن ذكائها. وتكون معايير هؤلاء مفيدة للمقارنات السريرية.

روائز الذكاء

سوف نتحدث في الفصول القادمة كثيراً عن روائز الذكاء وعن عملية الروز. وما نود قوله الآن هو أن روائز الذكاء تتضمن في الغالب استخدام فئة تعييرية واسعة بالنسبة لكل واحد من بنود الرائز. وعلى هذا الأساس فإن صعوبة البند تتحدد بنسبة النجاح أو الفشل لفئة كبيرة على ذاك البند. والمألوف أن تحدد الفئات التعييرية في الروائز بشكل عشوائي تصنيفي أو طبقي يشمل كل الفئات المشكلة للأمة. وهذا يضمن أخذ البنى المدنية والاقتصادية والثقافية للبلاد وفق النسب المكونة لها بعين الاعتبار في العينة. يحقق سحب العينة بصورة عشوائية وطبقية المسلمة القائلة بأن متوسط العينة للنقط في رائز ما يجب أن يمثل السكان مما يمكننا من مقارنة الفرد بالعينة ونحن على ثقة بصغر الخطأ المرتكب من جراء تلك المقارنة. إلا أنه، رغم تلك المسلمة، لا بعد من الحذر في تفسير نتائج الفرد في إطار معيار أقل ما يقال عنه أنه عام ولا يتدنى. يمثل الفئة الصغرى التي تصلح أن تكون معياراً للفرد.

التقرير الذاتي

يتطلب التقرير الذاتي من الأطفال الإجابة عن أسئلة حول ذواتهم، أو حول العالم كما تعيش فيه ذواتهم. فيمكن في دراسة حول القيمة التي يلصقها الفرد بذاته مثلاً، سؤال الصغار الإشارة، في قائمة تضم عدداً من الصفات، الى تلك التي تنطبق عليهم، وتلك التي لا تنطبق عليهم.

يمكن القول أن للطفل، الذي يرجح لديه عدد الصفات الإيجابية على السلبية، صورة إيجابية على ذاته، خلافاً لنظيره الذي يرجح لديه عدد الصفات السلبية على الأيجابية، فإن صورته عن ذاته متدهورة ودونية. ولقد استخدم أسلوب التقرير الذاتي في عدد كبير من الأبحاث لتحديد اتجاهات الأطفال نحو المدرسة، وفي دراسة القلق النفسي المرتبط بعملية الروز إضافة الى تحديد قابليات الأطفال المهنية واهتماماتهم. إلا أن التقرير الذاتي يعاني، على الرغم من فوائده الكبيرة، من مشكلة المرغوبية الاجتماعية وما يترتب عليها من تشويه للنتائج الحاصلة من تلك الطريقة. فإجابة الطفل في التقرير الذاتي تعكس مشاعره العميقة واتجاهاته، كما قد تعكس ما يعتقد أن عليه أن يشعر به أو يميل إليه إذا ما أريد له أني بقى عضواً محترماً في المجتمع. إن كثيرين منا، أطفالاً وراشدين، يبدون إعجابهم واهتمامهم بالشيء لاعتقادهم بأن المجتمع يحترم من يتخذ هذا الموقف من هذا الأمر ويحتقر من يتخذ الموقف المضاد منه.. ولكل منا قدرة على استلهام التوقعات والإجابة باتجاهها. ويصعب على الباحث عزل ذلك الجانب الذي يعكس مشاعر الفرد العميقة أو اتجاهاته الأصلية عن الجانب الآخر الذي يعكس توقعات الفرد لما يرغبه المجتمع.

مقاييس كشف الكذب

اقترح بعض الباحثين استخدام مقاييس لكشف الكذب وتمييز الاستجابة المؤشرة على المشاعر العميقة للفرد من نظيرتها الدالة على الاتهام الى الشخص الكاذب وتعجز عن تمييز النقطة المعبرة عن الشعور الأصيل من النقطة الدالة على المرغوبية الاجتماعية. وليست بنود كشف الكذب سوى بنود متطرفة لا يعقل أن يجيب عنها الفرد بالنفي التام أو بالتأكيد التام إلا إذا كان كاذباً. فإن قال كاشف “إن سلوكي حسن دوماً” وأشره طفل، حكمنا على أن الطفل كاذب يؤشر بنود التقرير الذاتي باتجاه المرغوبية الاجتماعية. نستطيع، في تلك الحالة، طرح كل إجابات المبحوث لكونه كاذباً. ويأمل الباحثون الآن أن يحدث تطور ثوري في مجال التقرير الذاتي يساعد على غربلة النقط المعبرة عن المشاعر الأصيلة من نظيرتها المعبرة عن المرغوبية الاجتماعية. إلا أن الأمل ما زال بعيد التحقيق.

الأساليب الإسقاطية

يستطيع المبحوث في التقرير الذاتي معرفة ما يراد منه، والتنبؤ بالتوقعات الاجتماعية والرد باتجاهها خلافاً لحاله في الأساليب الإسقاطية التي صممت لكشف الجوانب الغامضة من شخصيته مع إبقائه في حال كاملة من الجهل بما يراد منه.

نذكر من الأساليب الإسقاطية اختبار بقع الحبر لروشاخ واختيار استشعار الموضوع لمواري (Thematic Apperception Test, Tat) أن بقعة الحبر مثير عديم الصيغة والمعنى، وعلى المبحوث أن يبعث فيها مقومي الصيغة والمعنى وهو يفعل ذلك في الإطار الاستنادي للجوانب العميقة من شخصيته، يجهل الفرد في الأساليب الإسقاطية المعايير التي تنقط وفقها استجاباته أو تفسر. لذلك فإنه يطلق العنان لأعماقه تضفي المعنى والصيغة على مثير خال من أي معنى وصيغة، لكن ألفة الفرد للأسلوب الإسقاطي تكسبه بعض المعرفة بتلك المعايير، الأمر الذي يقلل من قيمة استخدامها لأكثر من مرة بالنسبة للفرد الواحد، وللناس الذي لديهم فكرة ما عنها.

إلا أن تطوراً أخيراً قد أحدث في مجال الأساليب الإسقاطية أدى الى إشغال فكر الفرد المبحوث كلياً عن مقوم الشخصية الذي يقاس، الأمر الذي يمكن من تكرار صيغة مشابهة للوسيلة الإسقاطية مع فرد بعينه أو حتى إعطاء الوسيلة ذاتها لمن له إلفة بها. إن بقعة الحبر مثير غامض، وبسبب غموضه يثير قلق المبحوث وتساؤله وهو ما تفعله المواقف المشخصة نفسها في اختبار استشعار الموضوع. أما رائز الأشكال المخبأة الذي تبدو عليه صفات قياس الذكاء فإنه مثير واضح يخلق في المبحوث التحدي لحل المشكلة. إذ أن مهمة المبحوث تحديد شكل صغير بسيط وعزله من داخل شكل أكثر تعقيداً. يرسم الشكلان البسيط والمعقد أحدهما بقرب الآخر، ويسأل المبحوث أن يعزل الشكل البسيط المخبأ في الشكل المعقد خلال زمن محدد. يعتقد المبحوث أن الرائز لقياس الذكاء، في حين أنه في الحقيقة يكشف النمط الإدراكي المتمثل في سمتي الإتكالية والإستقلالية. ولا شك أن صاحب الشخصية المستقلة فرد قادر على التعامل مع الأشياء دون أن تشتت انتباهه المثيرات الخارجية خلافاً لصاحب الشخصية الإتكالية، فإنه يعاني أزمة الاستجابة للمثيرات من حوله. ويستمر الحال على المستوى الإجتماعي فيتخذ أصحاب الشخصيات الاستقلالية قراراتهم، سلباً أو إيجاباً، من تلقاء ذواتهم، ومن قناعاتهم خلافاً لأصحاب الشخصيات الإتكالية الذين يسألون “ماما” عندما يقررون أبسط الأمور. وهكذا فالصيغة الجديدة للأساليب الإسقاطية تختلف عن الصيغ التقليدية المتمثلة ببقع الحبر، أو باختبار استشعار الموضوع من حيث طبيعة المثير وتسليمها ذاتها للتحديد والتفسير أو التأويل وذلك بالإضافة الى قدرتها على جذب انتباه المبحوث بعيداً عما يقاس، الأمر الذي يجعل منها أداة قياس جادة لسير أعماق الشخصية.

اللعب

يتمتع لعب الأطفال بمكانة خاصة بين الطرائق التفريقية. ولا يختلف لعب الأطفال، من بعض جوانبه عن الأساليب الإسقاطية، إذ أنه يمكن الأطفال من الكشف عن جوانب ذواتهم العميقة دون أن يعرفوا أنهم يكشفون تلك الجوانب. يولي أنصار مدرسة التحليل النفسي أهمية خاصة للعب، فاللعب عندهم تعبير رمزي عن رغبات محبطة أو مخاوف ملازمة أو متاعب لا شعورية، وهو تعبير من شأنه خفض مستوى التوتر والقلق لدى الطفل. ومن هذه الناحية يعد اللعب أداة هامة في الكشف عن أعماق شخصية الطفل، بالإضافة الى إعانته للطفل على التخفيف مما يعانيه من قلق. المألوف في “وضع” اللعب أن يطلق الأطفال في غرفة فيها عدد من الدمى، ومخابئ الدمى، والمكعبات، والصور، والأدوات، والمواد الخام اللازمة للرسم، وعزف الموسيقى وصنع الأشياء المختلفة. ويراقب الباحثون حركات الأطفال في واحدة من الصيغ الأساسية للعب وهي:

1) اللعب الحر الذي يترك فيه الطفل يفعل ما يشاء. 2) اللعب الموجه حيث يحدد الباحث موضوع اللعب 3) اللعب نصف الموجه ويقوم فيه الباحث أو أحد اللاعبين بإيحاء فكرة اللعبة المقترحة.

يعد اللعب الحر أفضل صيغ اللعب لكشف المكنونات العميقة للشخصية، ولا يعني هذا انعدام أهمية الصيغتين الآخريين، لأن الباحث يستطيع معرفة الكثير عن الجوانب العميقة لشخصية الطفل المبحوث من معرفة ردود فعله على اللعب الموجه أونصف الموجه.

يستخدم اللعب لأغراض تشخيصية صرفة. فلمعرفة المشكلات العاطفية للطفل، مثلاً، يوضع هذا في موقف لعب موجه في مكان يحتوي على دمى عامة وبشرية وأثاث منزلي. فإن وضع الطفل دمى الأم والأب والأخت في غرفة بعيدة عن غرفته أمكن الافتراض بأنه يشعر أنه مرفوض من أهله، أو معزول عنهم. وللتأكيد من صحة هذا الافتراض، يسأل الطفل أن يروي ما فعل ويستفسر عن بعض الفعاليات التي يقوم بها، أو يحكي أنه قام بها.

لا بد من الإشارة الى أنه على الرغم من كون اللعب طريقة تفريقية، فإن أريكسون قد استخدمه للإجابة عن أسئلة ترابطية. فقد طلب أريكسون من الأطفال بناء قلاع من المكعبات المتوفرة لديهم ثم لاحظ أبنيتهم وصورها فوجد فروقاً جنسية جوهرية، إذ مال الصبيان لإقامة بنايات طويلة، في حين مالت البنات لإقامة مساحات مغلقة يصعب دخولها. اقترح الباحث في تفسير الوقائع المذكورة إرجاع التوجه المكاني المميز لكل من الجنسي الى الفروق العضوية بينهما، وليس الى ضرب من الرمزية المميزة لكل جنس.

إن لعب الأطفال مصدر ضخم لمعلومات غنية وذكية عن المبحوثين وخاصة منهم الأطفال.

ويتصف اللعب، كطريقة بحث في حقل العلم، بالمرونة التي تجعله يجيب عن أسئلة من مختلف الأنماط السببية أو الترابطية، أو التفريقية. والمهم أن يشغل اللعب الحيز الذي يجب أن يشغله وألا يتخطى الوظيفة التي يستطيع أداءها. أما المعلومات الأكثر دقة عن الفرد أو الفئة فيجب تحصيلها بواسطة الأساليب الممكنة شريطة ألا يقرأ في نتائج أي أسلوب أكثر مما تحتمله تلك النتائج أو أكثر مما يسمح به ذاك الأسلوب.



http://www.emailcashpro.com